القصة الرابعة من تقرير "قانون يسلب المواطنة "المخفية...الموجودة، آل الميت... الأحياء"

القصة الرابعة من تقرير "قانون يسلب المواطنة "المخفية...الموجودة، آل الميت.....

 

رفضت أن تصّرح لي باسمها ولا بأية معلومة شخصية عن ذاتها وعن زوجها وعائلتها. هي تخشى أن تقود المعلومات المنشورة إلى معرفة هويتها وكونها ما زالت تعيش في البلاد مع زوجها وأولادها. كررّتُ وعدي وقسمي لها بأني سأبدّل وأغيّر في المعلومات التي سأنشرها عن شخصيتها دون المساس بالحقائق، بحيث لا يستدل أحد عليها. قالت إنها تصدقني، ولذلك وافقت على الالتقاء بي، لكن "الحذر مطلوب".

 

وأضافت أنه حتى صديقاتها ومعارف زوجها في البلاد يعرفونها بأسماء مختلفة. كذلك هي شتى معلوماتهم عنها. هي لا تريد أن تتفاجأ ذات يوم بقوات الأمن تحاصر بيتها، في بلدة ما في النقب...، وتنتزعها من زوجها وأولادها وتلقي بها في السجن ومن ثم وراء الحدود في ...غزة، إذا ما استدلت عليها. وذلك بحجة "دخول البلاد والعيش فيها بشكل غير شرعي"، رغم كونها زوجة لمواطن عربي يحمل الجنسية الإسرائيلية، وأماً لأطفال عرب يحملون ذات الجنسية وتعيش معهم.

 

اقترحت عليها مازحاً أن نسمّيها "الميتة". "الموتى لا يتكلمون"- فزعت في البدء. لكن سرعان ما استلطفت المزحة وقالت: "حقاً أنا ميتة في الحياة، وهكذا هي عائلتي- زوجي وأولادي - مع أننا أحياء. ولو سمع الأموات بقصتي لبكوا شفقة عليّ وفزعاً من هكذا حياة. ولشكروا الله على رحمته بإماتتهم واختفائهم من هكذا حياة تلزمني بأن أمثل أني غير موجودة ومخفية مع أني موجودة، وميّتة مع أني حية". ثم أردفتْ، بعد صمت حزين : "أكتب أن اسمي هو المخفية من آل الميت".

 

هي من غزة. متعلمة ومثقفة ومعتدّة بأنها أنهت دراستها الثانوية، قبل سنوات عديدة في غزة، بامتياز. وكانت تخطط لدراسة المحاماة. تعرفت، وهي في غزة، على شاب عربي من منطقة النقب، كان يزور أقاربه هناك (يوم كانت الزيارة بعد مسموحة الى غزة ومنها). وأقاربه في غزة جيران لآل "الميت"- أهلها. أحبها الشاب وأحبته. وأخذت تنتظر أسابيع وأشهر أحيانا لتكرار زيارة الشاب لأقاربه. وكلما كثرت الزيارات كلما ازداد حبهما وارتباطهما ببعض. انعقد قرانهما في غزة بعد فترة قصيرة من صدور التعديل رقم (1)  لقانون المواطنة. لكن الحب كان أقوى من تحديدات ومحظورات القانون.

 

تقول "المخفية": "طبعاً قلقنا وتخوّفنا. لكن أملنا خيراً، وخصوصاً أن سجل حياتي وحياته وسجل عائلتينا خاليان من أية مخالفة أمنية. خطيبي- زوجي وعدني بتدبير الأمور. وعائلته وعائلتي وهو وأنا... نعارض العنف من حيث المبدأ، وننادي بحل سلمي عادل لقضيتنا الفلسطينية. أخذت أحلم بأن أتعلم المحاماة في جامعة بئر السبع في النقب حال سكني هناك. واتفقت مع زوجي أن لا ننجب أطفالاً إلا بعد تخرجي من الجامعة. وأصلاً كنا نخطط لإنجاب طفلين أو ثلاثة على الأكثر". ثم تضيف ساخرة بمرارة: "أي لسنا فقط لا نشكل خطراً أمنياً إرهابياً على دولة إسرائيل، وإنما لا نشكل أيضا خطراً ديموغرافياً على يهودية الدولة"...

 

تكلمت "المخفية" بلا انقطاع وباندفاع. وكأنها أشبه بسيل ماء جارف يحط من علو شاهق بعد مطر غزير لا ينقطع. أخرس انفكت عقدة لسانه. إنسان انزاحت الصخرة عن صدره وكاتم الصوت عن فمّه. مشاعر حبيسة لعدة سنوات... انطلقت، وقصة مكبوتة وجدت أخيراً حقها بأن تروي ذاتها. أخذت عيناها المنطفئتان المكسورتان الذابلتان في أول لقائنا... تقدحان نوراً وناراً ولمعاناً مع انطلاق لسانها.

 

فجأة أخذت "المخفية" تبكي بمرارة: "سامحني أرجوك، واسْتر قصتي وأحفظ عائلتي. أنا ممنوعة من الكلام، حتى أحافظ على بقائي هنا، على عائلتي وزوجي وأولادي، على حقي بأن أكون زوجة وأمّاً في بيتي... في وطني". طمأنتها بأني سأحفظ السر مثلها وأكثر. ابتسمت راضية وقالت لي وهي تودعني: "لا تنسى أن اسمي هو "المخفية" أما زوجي فسمّيه "الأسمر" ... وهو حقاً شاب أسمر البشرة". ثم عادت فجأة  للجد: "يا خراب بيتك يا "مخفية"، لقد فضحت لون زوجك. سمّيه "الأشقر"- طلبت مني.

 

سأسميه "الأسمر". عشرات آلاف سكان النقب لون بشرتهم سمراء. لكن ليعذرني قارئ هذه السطور، لأني لن أروي له قصص عشرات أحداث المعاناة والتوتر والفزع والملاحقة والاختفاء التي مرّت على عائلة "المخفية والأسمر"، حتى نحافظ على عهدنا بالحفاظ على هوية عائلة، لا ذنب اقترفته إلا "ذنب" إعلاء "قانون" الحب وحق بناء العائلة، بصفته حقاً إنسانياً شمولياً، على القانون الإسرائيلي العنصري بمنع المواطنة والحياة العائلية عن العرب، لكونهم عرباً يقطنون على جانبي "الخط الأخضر" الذي تحتل إسرائيل جانبيه.

 

لذلك أكتفي بإيراد هذه الحقائق المقتضبة:

·        حصلت "المخفية" على تصريح بدخول إسرائيل من غزة لمدة يومين بحجة زيارة قريب لها يخضع لعملية جراحية خطيرة في أحد مستشفيات إسرائيل. هكذا عقدت قرانها في النقب على خطيبها. أصبح مع "الأسمر" ومعها شهادتا زواج- واحدة في غزة وأخرى من إسرائيل. سكنت الزوجة مؤقتاً في قرية ما في البلاد، لكن في سجلات "معبر ايرز" (بين إسرائيل وغزة) يظهر أنها عادت الى غزة.

·        "المخفية" على تواصل نادر مع أهلها في غزة عن طريق زوجها "الأسمر" وكذلك أولادها. إذ يحصل الزوج، أحياناً نادرة، على تصريح رسمي هو وأولاده بزيارة غزة لرؤية زوجته- أمهم هناك، مع أنها تقيم معهم هنا. هي طبعاً لا تستطيع أن تطلب زيارة أهلها هناك لأنها وفق السجلات الرسمية تقيم هناك. وأهلها لا يستطيعون طلب تصريح لزيارة ابنتهم هنا لأنها تسكن معهم هناك وفق تلك السجلات.

·        "المخفية" لا تعمل ولا تتعلم هنا، لأنه لا يوجد معها هوية إسرائيلية، ولا تقيم رسمياً هنا. انتهى حلم دراسة المحاماة. كل حلمها الآن أن تجد محامياً في العالم قادراً على تحصيل المواطنة أو حتى حق الإقامة لها للعيش علناً مع زوجها وأولادها في بيتهم.

·        "المخفية" سجينة البيت، بين أربعة حيطان. تتجنب الخروج من البيت قدر المستطاع. حين تسمع صوت صفارة لسيارة شرطة تعبر المنطقة التي تسكنها، أو ترى أشخاصاً تظنهم مشبوهين قرب بيتها.. تسرع للإغلاق على ذاتها داخل خزانة، في جحر ما، في بئر قريب، أو تهيم على وجهها في الصحراء. هي تتجنّب أيضاً السفر في المواصلات العامة أو الخروج مع زوجها وأولادها لأية بلدة يهودية قريبة بهدف التسوق أو الترفيه أو الاحتفاء بالعيد مع الأولاد في حديقة ألعاب. لأن كل الأقنعة التي قد ترتديها وكل الخطط التي قد تلجأ إليها لا تفيدها إذا ما طلب منها شرطي ما إبراز هويتها، وما من هوية إسرائيلية معها.

·        كيف تتعالج، إذا ما مرضت؟ هنالك أطباء إنسانيون وعرب في العديد من العيادات. وهي تحصل أحياناً على بطاقات تأمين صحي من بعض الصديقات... فتتعالج بانتحال شخصية غيرها.

·        حاول "الأسمر" في إسرائيل أكثر من مرة تقديم طلب لم شمل لزوجته وجلبها من غزة ... لكن طلباتهما رُفضت من قبل السلطات الإسرائيلية. وذلك بحجة أن القانون الإسرائيلي لا يجيز هذا. فجمع شمل الزوجة مع الزوج ومعاً مع أطفالهما، في بيت واحد، ليس "حالة إنسانية خاصة" توجب أن تأخذها السلطات بعين الاعتبار...

·        "المخفية" موجودة. و"آل الميت" أحياء. وأكثر ما تخشاه هذه الزوجة- الأم هو أن تختفي حقاً وأن ينكشف أمرها وتحرم من العيش مع زوجها وأولادها، أو يموت حقاً أهلها من "آل الميت" قبل أن تراهم أو يروها.

 

أما "الأسمر"- الزوج والأب- فيقول إن الموت أسهل عليه من أن يرى إبعاد زوجته عنه وعن الأطفال. ووصل الحرص به حتى رفض اللقاء بي أو الاتصال من هاتفه للحديث معي. قال لزوجته : "قولي له أن يعتبرني ميتاً في التقرير الذي سيكتبه عنّا".

 

أفهم وأتفهم حرصك يا أيها "الأسمر" الذي لا أعرفك. وآمل أن تعذرني حين تقرأ هذا التقرير منشوراً، فتكتشف عدم التزامي بطلبك بجعلك ميتاً. قصتكم الحيّة يا أحياء يجب أن تبقى حيّة جاثمة على الضمير الإسرائيلي والعالمي. حيّ أنت يا "أسمر" وموجود. وحيّة هي "المخفية" الرائعة، البطلة، زوجتك. الميّت هو ضمير الدولة، والمخفية هي عدالة القانون ... قانون تقرّه محكمة تسمي نفسها "محكمة العدل العليا" ... قانون يلزم الموجودين بالاختفاء... وهم موجودون، ويلزم الأحياء بالموت ... وهم أحياء.