القصة الثانية من تقرير "قانون يسلب المواطنة "أليس لهذا التية والتشريد ... من آخر؟!"

القصة الثانية من تقرير "قانون يسلب المواطنة "أليس لهذا التية والتشريد ... م...

 

نَكبَت نكبة العام 1948 قرية عاقر قضاء الرملة، كما نَكَبَت أكثر من 478 قرية عربية فلسطينية وخربة وتجمعاً بدوياً. هَدمت قوات الجيش الإسرائيلي القرية وشرّدت أهلها. وصل بعض الأهالي الى غزة واستقروا هناك، واستقر آخرون في بلدات عربية ضمن المنطقة التي قامت عليها إسرائيل. وعلى أنقاض قرية عاقر بنت إسرائيل مستوطنة يهودية هي "كيبوتس عقرون".

 

يعود أصل آل أبو غزال، الى قرية عاقر. قاد التشريد بعضهم الى غزة، واستقر بعضهم الآخر في مدينة اللد وأصبحوا مواطنين في إسرائيل. نكبة ال-48 شردتهم وقطعت أوصالهم، واحتلال حزيران 1967 لغزة أعاد تواصلهم.

 

هكذا التقى محمد أبو غزال من غزة المحتلة بابنة عمه سميرة أبو غزال من اللد. كلّ وجد نصفه الضائع، تزوّجا عام 1977 وأنجبا خمس بنات وابنا بكراً يُدعىشادي.

 

يعمل الوالد محمد ممرضاً مسؤولاً في مستشفى "النصر" للأطفال في غزة، وكل أخوته وبعض أعمامه وأخواله يقطنون هناك. هو لا يريد أن يترك عمله وأقاربه ويأتي للعيش مع زوجته في اللد داخل إسرائيل (وحتى إن أراد لن يجيز له هذا تعديل قانون المواطنة من سنة 2002). لكن الزوجة سميرة، المواطنة في إسرائيل، لا تريد التنازل عن مواطنتها والافتراق الأبدي عن مدينتها اللد وعن أهلها وأقاربها فيها. هي انتقلت للعيش مع زوجها في غزة لكنها أنجبت أبناءها الستة في إسرائيل. فأكسبتهم بهذا وبحفاظها على مواطنتها المواطنة الكاملة. لكنّ العائلة وأبناءها عاشوا وكبروا في غزة حيث الوالد والوالدة، وهناك أنهى شادي –ابنهما- دراسته الجامعية.

 

نبدأ بمشكلة الأم سميرة. بصفتها تحمل المواطنة الإسرائيلية الكاملة، يحق لها نظرياً أن تدخل إسرائيل متى تريد. وتكمن "المشكلة" في دخولها وبقائها في غزة، إذ عليها أن تحصل كل ستة أشهر على تصريح يجيز لها الدخول إلى غزة والإقامة فيها مع زوجها وأولادها! وكل ستة أشهر، حتى لَو لم تُرِد العودة إلى اللد في إسرائيل، عليها أن تقطع معبر "الحدود" وتجدد التصريح بخصوص الإقامة مع زوجها في بلدته. وللحقيقة رغم غرائبية هذا الأمر ومرارة السفر وقساوة المعاملات عند المعبر، إلا أن إسرائيل لا ترفض منحها التصريح... إذ لا يضير "دولة اليهود" أن ينقص عدد العرب ضمن حدودها وأن يقيموا مع عائلاتهم خارجها. إقامة الأم المواطنة مع زوجها وأبنائها في إسرائيل هو الأمر الممنوع.

 

أخذت المشكلة تتفاقم مع كبر الأبناء، وكلهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، بصفتهم مواطنين في إسرائيل مثلهم مثل أمهم. انتقل شادي للعيش في اللد  حيث يعمل فيها مدرساً، ولحقت به أختان له. الأخوات الثلاث الأخريات بقين في غزة، اثنتان تزوجتا هناك وفقدتا حق المواطنة الإسرائيلية.

 

قصة هذه العائلة غريبة ونادرة أيضا، إذ أن الزوج من المناطق المحتلة عام 1967 هو الذي يطلب عادة المواطنة حين يتزوج من مواطنة عربية، وتكون النتيجة الرفض وتفسيخ العائلة. محمد أبو غزال لم يطلب هذا، وزوجته سميرة لم ترفض الانتقال للعيش مع زوجها في غزة الى جانب المحافظة على مواطنتها ومواطنة أبنائها. ورغم هذا تقود قوانين إسرائيل وإجراءاتها الى تشريدهم. علماً أن عائلة أبو غزال بسكناها في غزة أسقطت حجج إسرائيل الواهية بأن الهدف من وراء زواج عربي من المناطق المحتلة بعربية من إسرائيل هو المسّ بيهودية الدولة من خلال تغيير ديمغرافيتها، و/أو الانتقال للعيش فيها بهدف القيام "بأعمال تخريبية وإرهابية" في إسرائيل .

 

تشردت عائلة أبو غزال وتقطعت أوصالها من جديد: الأب لا يستطيع حتى لو أراد الانتقال للعيش في اللد مع عائلته، لن تسمح له إسرائيل بهذا الحق. البنات اللاتي بقين وتزوجن هناك في غزة ممنوعات من هذا الحق أيضا. نصف العائلة الآن تحمل جنسية إسرائيلية ونصفها يحمل جنسية فلسطينية "غزاوية"، والنصفان ممنوعان من اللقاء والتواصل والزيارات الدائمة، مع أنهما عائلة واحدة. حال الأم سميرة هي الأسهل نسبياً إذ يجوز لها، كما أسلفنا ، العيش في غزة وزيارة عائلتها الأخرى  والعيش في اللد. بانشطار العائلة انشطر قلب الأم الى شطرين، بين الأب وبناتها الثلاث في غزة وبين ثلاثة من أبنائها في اللد.

 

شطر عائلة أبو غزال في غزة لا يستطيع (عدا عن الأم) زيارة نصفه الآخر في اللد. وشطر أبو غزال في اللد "يستطيع"، قانونياً وشكلياً، زيارة نصفه الآخر في غزة، لكن هذا مرتبط بمعاملات خاصة وطويلة ومريرة تنتهي عادة برفض الطلب، إلا في "حالات استثنائية" خاصة ونادرة جداً.

 

سيتوه القارئ كتيه اوديسيوس في "الأوديسا"، إذا ما عرضنا له أدناه كل ما يمّر على الأفراد الثمانية لهذه العائلة المشطورة من مرارات ومعاناة بفعل ذاك التعديل لقانون المواطنة. شطر العائلة الواحدة أصبح، بحكم القانون، وكأنه في "حرب وعداء" مع الشطر الآخر بحكم كونه يقطن "دولة – منطقة- تعرّفها إسرائيل على أنها معادية وفي حرب معها"، وكأنّ لقاء الابن مع أبيه وأخته... يشكل "خطراً إرهابيا" على الدولة.

 

لندع شادي  يتكلم: "خلال (11) عاماً مضت لم أستطع تحصيل حق زيارة أهلي في غزة ورؤية والدي إلا مرتين، وكل مرة لثلاث أيام فقط. قدّمت في إحدى المرات أوراقاً طبية تثبت أن والدي مريض بالسكري، قال لي الضابط المسؤول عن التصاريح إن طلبي مرفوض "لأن درجة المرض ليست خطيرة بعد!". بعد أشهر قدّمتُ له وثائق تثبت أن المرض يتفاقم، أجابني الضابط أن طلبي مرفوض، لأن الوالد ما زال في الخمسينات من عمره ولن يتوفى قريباً بحسب رأيه. سألته محتجاً: "بأي مرض آتيك حتى تسمح لي بزيارة أبي وأمي وأخواتي؟ أجاب: "نوبة قلبية حادة، أو عطل في الدماغ، أو أي مرض آخر يؤكد أن الموت قريب ولا بد منه". صرخت في وجهه: "سأختصر الطريق وسآتيك ربما بشهادة وفاته". قهقه الضابط وقال: "سنعطيك فوراً عندها تصريحاً ليومين لحضور الجنازة ومراسيم الدفن".

 

يؤكد شادي، من تجربته، أن الموت ليس بالضرورة دوماً سبباً وجيهاً وإنسانياً يجيز الزيارة. لقد منعوه من الزيارة للمشاركة حتى في مراسيم دفن جدته، ومن الزيارة لحضور مراسيم دفن ابن عمه.

 

ولشادي ابن يُدعى محمد- على اسم جده، هو  في الرابعة من عمره. يتواصل محمد الحفيد مع جده محمد في غزة عن طريق الهاتف. وكان قد زاره قبل سنة ونصف مع والده، لأن الوالد حصل يومها على تصريح بزيارة أمه التي كانت تخضع لعملية جراحية خطيرة في غزة. وهنالك تعرف محمد على ابنة عمته وتدعى لما، كذلك عرف أن جدّه خبير في الدراجات وتصليحها وأنواعها. منذ أشهر يبكي محمد يومياً طالباً أن يلعب مع لما وأن تزوره أو يزورها أو طالباً أن يجلب له جده دراجة للأطفال.

 

يقول شادي: كلما يبكي محمد مطالباً بلما، آخذه في جولة في اللد وألهيه حتى يتعب وأعيده نائماً الى البيت، أما الدراجة التي طالب بها جده، فقمت بشرائها من دكان في اللد وقلتُ له أن جده أرسلها له، ولم يستطع زيارته وجلبها له لأن هذا "ممنوع". فعلقتُ بأسئلته العديدة عمّا تعني كلمة "ممنوع"، ولماذا جده "ممنوع" من زيارته، بينما أجداد زملائه في الحضانة يزورون أحفادهم.

 

بعد أسابيع من تلك الحادثة تُخبر معلمة الحضانة والد محمد أنه في أثناء تدريسها للأطفال عن العائلة، بالذات عن الجد والجدة فيها، انطلق محمد بثرثرة حماسية وغير مفهومة عن جده وقال إنه في غزة ويرسل له الهدايا، ومؤخراً أرسل له حلويات ودراجة. سألت المعلمة الطفل محمد لماذا يرسل جدك الهدايا لك ولا يجلبها معه حين يزورك؟ ألا يزورك أو تزوره؟ أجاب محمد : "لأ، منّوع"- أي "لا، ممنوع".

 

تدمع عينا شادي - أبو محمد - وهو يحدثني. ثم يستعيد قوته فجأة ويرتدي ثوب المتعلم والمعلم الرصين ويقول: "جيل ابني محمد هو الجيل السابع منذ 1948، جيل وراء جيل ينمو ويكبر في ظل المأساة مشرداً ولاجئاً ومتقطع الأوصال في شتى دول العالم وبقاع الأرض. وما من ذنب ارتكبه أجدادنا إلاّ كونهم وُلدوا عرباً في فلسطين بالذات. لكن الإنسان لا يستطيع الاختيار في أي بلد يولد ولأي شعب ينتمي. وها هي إسرائيل، بقانون المواطنة الجديد، تريد أن تتحكم حتى بخيارات زواجنا وبخيار وحق العائلة أن تعيش معاً وأن يتعرف أفرادُها على أفرادِها وأن يزور بعضُهم بعضاً."

 

بعد صمت حزين، يواصل أبو محمد الكلام: "ما يؤلمني بشكل خاص هو أن مَن يفعل بنا هذا هم اليهود الذين كانوا في تيههم وتشتتهم من أكثر أبناء البشرية معاناة من الظلم والإقصاء والتمييز العنصري، فكيف يفعلون بالآخرين ما عانوا هم أنفسهم منه في تاريخ مضى؟

 

أما لهذا الليل من آخر؟ أما لهذا التيه والتشريد والغربة والاغتراب وتراكم المآسي من نهاية؟ أناشد الديمقراطيين اليهود، أناشد كل أحرار العالم والضمير العالمي، أن يضعوا حداً لهذه المأساة. إلى متى سيستمر هذا الصمت العالمي وعدم الضغط على إسرائيل  وإلزامها باحترام  حقوق الإنسان – بصفته إنساناً؟ لا أريد لابني أن ينمو ويكبر ناقصاً وحاقداً وباحثاً عن انتقام. أريد السلام والطمأنينة لشعبَيْ هذه البلاد، عرباً ويهود، فهل من مُعين"؟ّ

 

نهض شادي من مقعده. أنهى اللقاء من طرف واحد وخرج. بقيتُ وحدي في الغرفة. أخذتُ أفكر كيف سأكتب نهاية هذه القصة. قررّتُ أن أسئلة شادي هي النهاية الأفضل. فهل يقدّم قضاء إسرائيل وضمير العالم الجواب المطلوب لها؟!