[email protected]

قرار جديد للمحكمة العليا حول قضية رش الأراضي الزراعية في النقب بالمبيدات الكيماوية

قرار جديد للمحكمة العليا حول قضية رش الأراضي الزراعية في النقب بالمبيدات ال...

"دائرة أراضي إسرائيل تنفذ عمليات رش المبيدات دون أن يخولها القانون هذه الصلاحية"

القاضي سليم جبران، قاض محكمة العدل العليا

18 نيسان، 2007

 

خلفية


كجزء من خطة السلطات الإسرائيلية الهادفة إلى سلخ المواطنين العرب في النقب عن أراضيهم، تستخدم وسيلة إبادة محاصيلهم الزراعية ومزر
وعاتهم، التي تشمل حقول القمح والشعير وبعض الخضراوات. وهذه المزروعات تشكل جزءًَا أساسيًا ومركزيًا من غذاء سكان القرى غير المعترف بها ومواشيهم، وقسم من السكان يعتاشون عليها بشكل حصري. 


وكانت الطريقة التي اتبعتها السلطات في الماضي هي اقتلاع المحاصيل بواسطة التراكتورات. ولكن كون المواطنين العرب كانوا يتصدون لهذه العمليات، تحولت الدولة، في سنة 2002، إلى وسيلة أكثر صرامة وهي رش المحاصيل الزراعية من الجو بمادة كيماوية.


منذ عام 2002 وحتى 2006 أبادت دائرة أراضي إسرائيل ("المنهال") نحو 40,000 دونم من الأراضي الزراعية في النقب التابعة للمواطنين العرب. وكانت هذه الأراضي مزروعة بالقمح والشعير من قبل المواطنين العرب في النقب، وهي تشكل بالنسبة لهم مصدراً أساسياً ووحيداً للرزق.


حوالي 30,000 دونم من هذه المحاصيل تم إبادتها من خلال رشها بمادة كيماوية تدعى "راوند-أب" (Round up)، بواسطة طائرات إستأجرتها دائرة الأراضي إسرائيل التي قامت بالتحليق فوق الأراضي الزراعية – وفي بعض الحالات حتى فوق المراكز السكنية العربية القريبة من الأراضي الزراعية – ورشت المواد الكيماوية.


خلفية ابادة المحاصيل تعود الى نزاع بين الدولة – ممثلة بدائرة الأراضي– والمواطنين العرب، حول ملكية الأراضي في النقب. وبدأ هذا النزاع منذ إقامة دولة إسرائيل، وما زال مستمراً حتى يومنا هذا.  تدعي دائرة الأراضي، إن الأراضي التي يزرعها المواطنون العرب هي أراضي دولة، وأن المواطنين العرب استولوا عليها وزرعوها بدون إذن وبشكل غير قانوني، لذلك فإن أعمال الرش هي أعمال قانونية تهدف الى إخلائهم ومنع استيلائهم عليها مجدداً. وبالمقابل، يدعي المواطنون العرب أنهم يملكون هذه الأراضي ويفلحونها منذ القدم – منذ عهد الحكم العثماني في فلسطين، أو قبل قيام دولة إسرائيل على الأقل – لذلك فان ملكيتها تعود لهم، ومن حقهم مواصلة زراعتها الآن أيضاً.

 


تقرير المؤسسة العربية


في تقرير أصدرته المؤسسة العربية في شهر تموز 2004، بعنوان "كل الوسائل شرعية: إبادة محاصيل زراعية للمواطنين البدو في النقب من قبل الدولة بواسطة رشها بمواد كيماوية من الجو"، تبينت الحقائق التالية بخصوص عمليات الرش:

تم رش المحاصيل الزراعية فُجأة ودون سابق إنذار للمواطنين العرب، كما ولم تتح لهم فرصة إسماع إدعاءاتهم قبل القيام بعمليات الرش، ولم تتوفر لهم إمكانية اللجوء إلى المحكمة قبل الرش لمنعه، أو على الأقل للنظر في قانونيته.

في بعض حالات الرش، تم رش المادة الكيماوية على الأراضي الزراعية وعلى التجمعات السكانية العربية، القريبة من تلك الأراضي.

في بعض حالات الرش، تلامست المادة الكيماوية مع مواطنين عرب تواجدوا حينها في الأراضي، مما تسبب بإستنشاق تلك المادة إلى دواخل رئاتهم. وهو ما سبب لهم معاناة من ضيق النفس وأوجاع الرأس والغثيان والوهن الجسدي الكلي.

تسبب الرش في بعض الحالات بنفوق الحيوانات.

بعد الإنتهاء من عمليات الرش، لم تضع دائرة الأراضي لافتات لتحذير المواطنين العرب من أن المساحة أمامهم مرشوشة بمادة كيماوية (ما عدا في حالة واحدة فقط).

المادة الكيماوية التي استعملت في الرش تدعى "راوند-أب". وهناك دراسات تشير إلى المخاطر المختلفة المترتبة عن رشها على صحة البشر والحيوانات – مثل التسمم وضيق النفس وإضعاف الخصوبة وإمكانية الإصابة بالسرطان - وكذلك على البيئة التي تُُستعمل فيها. وبموجب تعليمات الآمان الخاصة بالمادة، يُحظر رش هذه المادة من الجو. وتصبح هذه التعليمات أكثر نفاذاً عندما يتم الرش بالقرب من التجمعات السكنية المدنية، وبقدر أكبر عندما يتم هذا الرش من على التجمعات السكانية المدنية بالذات.


تقوم دولة اسرائيل، بواسطة دوائر سلطاتها المختلفة، بالتعتيم على كل ما يتعلق بتنفيذ عمليات الرش ولا تقدم المعلومات الضرورية حول هذه العمليات، مثل المعلومات عن جرعات المادة الكيماوية؛ معلومات عن التنسيق بين المكاتب المختلفة ذات الشأن، والتوضيح فيما إذا تم القيام بفحص مبكر في المنطقة للوقوف على بعد المناطق السكنية عن الحقول التي تم رشها؛ معلومات حول ما تم القيام به بعد عمليات الرش للتأكد من عدم دخول البشر والحيوانات إلى المساحات المرشوشة كي لا يمسهم أذى في المستقبل من المادة المرشوشة؛ معلومات ما إذا تم القيام بعمليات توعية في صفوف المواطنين البدو حول المخاطر الصحية المترتبة عن استعمال الحقل المرشوش؛ معلومات حول اتجاه الرياح وسرعتها أثناء تنفيذ عمليات الرش؛ معلومات لتوضيح ما إذا تم استنفاذ جميع الإجراءات المنصوص عليها في القانون والمتعلقة بالقيام بعمليات الرش من الجو. لا يتماشى سلوك الحكومة هذا مع المعايير المتوقعة من السلطات العامة وتثير الشكوك حول وجود خلل في تنفيذ تلك العمليات، تحاول السلطات إخفاءه.


وأكدت المؤسسة العربية في تقريرها، أنه يترتب عن تنفيذ عمليات الرش بالطريقة التي تم تنفيذها بها مس خطير وعنيف بحقوق المواطنين العرب الأساسية: مس بحق مس بحقهم في الصحة والبيئة الصحية، مس بحقهم في المعيشة والحصول على الحد الأدنى لمتطلبات الحياة الإنسانية، مس بحقهم في العمل وإختيار العمل ومس بحقهم في التملك. يعترف القانون الدولي بهذه الحقوق الأساسية كما ويعترف بها كذلك القضاء الإسرائيلي الداخلي وتحظى بمكانة مرموقة فيه.


وبالتالي، رأت المؤسسة العربية أن وسيلة رش المحاصيل الزراعية بمادة كيماوية من الجو هي عملية غير قانونية بتاتاً بسبب الأذى البالغ المترتب عن استعمالها. ووصت المؤسسة بالامتناع كلياً عن استعمالها في المستقبل وتقديم المسؤولين عن تنفيذها إلى القضاء، إضافة إلى دفع التعويضات للمواطنين العرب ممن تضرروا جراء رُش أراضيهم وإبادة محاصيلهم في الماضي.

 


قرار المحكمة العليا


في تاريخ 22/3/2004 تقدمت جمعية "عدالة–المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل"، باسم بعض المواطنين العرب الذين رُشت أراضيهم المزروعة بمواد كيماوية وباسم منظمات حقوق انسان إسرائيلية مختلفة، بما فيها المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، بالتماس الى المحكمة العليا، ضد دائرة الأراضي، وزارة الصناعة والتجارة والتشغيل ووزارة الزراعة، طالب فيه ايقاف تنفيذ عمليات رش المحاصيل الزراعية للمواطنين العرب، لأن هذه العمليات تشكل خطراً على حياة وصحة الناس، الحيوانات، والبيئة، لذلك هي غير قانونية.


في تاريخ 23/3/2004 أصدرت المحكمة العليا أمراً احترازياً ضد الملتمس ضدهم، الذي يمنعهم، أو أي من طرفهم، من القيام بعمليات رش محاصيل زراعية للمواطنين العرب حتى صدور قرار نهائي في هذه القضية.  وبسبب القرار المرحلي للمحكمة العليا، عاودت دائرة الأراضي سياستها السابقة وهي إبادة المحاصيل الزراعية عن طريق اقتلاعها وتجريفها.


وخلال النظر في الالتماس، دافعت ممثلة الدولة عن سياسة رش المحاصيل الزراعية، وادعت أن نجاعتها أثبتت جدواها في منع "السيطرة غير القانونية" على أراضي الدولة. وزعمت أن الإمكانيات الأخرى، مثل اقتلاع المحاصيل، تكلف أموالاً أكثر. كما اعترفت دائرة أراضي إسرائيل في ردها على الالتماس أنها استخدمت مادة كيماوية محظورة. وقالت الدائرة إنها استخدمت المادتين الكيماويتين- "راوند اب" و"جليفوسايت"- اللتين سمحت وزارة الزراعة باستخدامهما، لكن المادة الثالثة "تيفون" لم يسمح باستخدامها. واعترفت الدائرة أن هذه المادة، التي لم يسمح باستخدامها، شكلت نحو ربع كمية المادة التي استخدمت لرش المحاصيل الزراعية في سنة 2004. ولكن وفق رأي الخبراء الذين تم اقتباسهم في تقرير المؤسسة العربية، حتى إذا كان قد سمح باستخدام هذه المواد، فإن استخدامها لإبادة المحاصيل الزراعية تم بشكل ضار، إذ ذكر بشكل واضح في تعليمات استخدامها أنه يحظر استخدامها من الجو!!


وفي تاريخ 15/04/2007 أصدرت المحكمة العليا قراراً في الإلتماس، بموجبه يمنع "دائرة أراضي إسرائيل" من رش المبيدات من الجو على المحاصيل الزراعية في الحقول التي يفلحها المواطنون العرب في النقب. وقررت المحكمة العليا في قرارها أن هذه العمليات غير شرعية، وبالتالي ممنوعة، لكونها تعرض حياة الناس وصحتهم إلى الخطر. فقد قال القاضي جبران في قراره: "دائرة أراضي إسرائيل تنفذ عمليات رش المبيدات دون أن يخولها القانون هذه الصلاحية". أما القاضية أربيل فقد قالت في قرارها أن القانون يسمح لدائرة أراضي إسرائيل بإجراء عمليات الرش، إلا أنها ممنوعة لكونها تمس بحياة البشر. كما قررت القاضية أربيل أن استخدام هذه الوسيلة يؤدي إلى "إحساس خطير لدى الموطنين البدو بالإذلال والاستخفاف... ومن واجب الدولة عدم تعريضهم للخطر في عملياتها، والدفاع عن رفاهيتهم، والتصرف بشكل معقول تجاههم. وعملية رش المبيدات، بالطريقة التي نفذت فيها، لا تمس فقط بصحة المواطنين البدو فحسب، وإنما تمس بكرامتهم".


ويؤكد قرار المحكمة العليا، وبشكل واضح، ما جاء في تقرير المؤسسة، أن هذه العمليات غير قانونية وتمس بحقوق المواطنين العرب بشكل خطير وعنيف.

 

 

قرار المحكمة العليا بالعبري: /uploads/userfiles/files/CropDestructionSupremeCourtDecisionHebrew.pdf