سربية المجهول عمر أبو جريبان

سربية المجهول عمر أبو جريبان

 

حافٍ، وجهاز استخراجٍ للبول ومنامة (بيجاما) تغطي جسده دون ماءٍ أو غذاء، وُجِدَ ميتًا على حافة طريق 443 صبيحة يوم الأحد 15 حزيران 2008. ومن ثم تم نقل جثته إلى معهد التشريح الجنائي، حيث قرر الأطباء أن وفاته جاءت إثرَ الجفاف وفقدان السوائل، لاحقاً، وبعد طول عناء، تم التعرف إلى هوية المجهول ومكان إقامته بعد أن قامت سلطات الاحتلال بالسماح لأخيه الدخول عبر معبر "إيرز" لإجراء فحص الحمض النووي وبعد أن وَجِدَ مطابقاً لفحص المجهول تم تسليمه لأهله في معبر "إيرز" ليدفن لاحقاً في دير البلح دون أن يعرف أهله وأقاربه ظروف وفاته.

لم يكن لنا أن نعرف جزءاً من هول هذه الجريمة لولا اختلاف المتورطين بالجريمة وانزعاج أحدهم من كونه كبش الفداء بعد تقديم لائحة اتهام بحقه، نسبت إليه تهمة التسبب بالموت جراء الإهمال.

هذا الشرطي "الضحية" قام مؤخراً بتقديم التماس إلى المحكمة العليا، متظلماً من عدم اتخاذِ إجراءات جنائية بحق رجال شرطة آخرين وأطباء يعملون في مستشفى "شيبا"، وتساءل في التماسه لماذا أنا دون غيري؟!

الفضائح والجرائم الكبرى تبقى مدفونةً في قلوب المجرمين وأرشيفات المؤسسات الظالمة، طبقاً للعرف والمصلحة المشتركة بضرورة التكتم وإلا تفضح سرائرنا. عندما يعتقد أحد المتورطين أنه "ظُلمَ"، ويقرر التحدث عن شراكة الآخرين باقتراف الجريمة، نحظى نحن سكان "واحة الديمقراطية" غير الوحيدة في الشرق الأوسط بجزءٍ يسير من حيثياتها. في هذه القضية، وبعد أن تم تسريب بعض المستندات المتعلقة بالقضية للصحفي الجريء حاييم لفينسون، الذي يعمل في جريدة "هآرتس"، نشر الصحفي يوم 17.02.2012 جزءاً من الرواية- كما اتضحت من المستندات التي تم تسريبها إليه- لنعلم من خلالها عن "فضيحة بجلاجل" ما هي إلا سربية من سربيات الاحتلال اليومية.

عمر أبو جريبان، 38 عاماً، من دير البلح، أصيب يوم 28.05.2008 إصاباتٍ بالغة في حادث طرق وقع في شارع 6 عندما كان على ما يبدو في سيارةٍ مسروقة ونقل بعدها إلى مستشفى "كابلان" في رحوفوت، وبسبب خطورة إصابته تم نقله إلى مستشفى "شيبا"، وعند وصوله سُجِِلَ في ملفه أنه مجهول الهوية وتم تحديد إصابته على أنها خطيرة ومتعددة، حيث أنه كان يعاني من نزيف في الدماغ وكسورٍ في عظم الترقوة وفي الحوض وتهتك في الحالب. أبلغ مستشفى "شيبا" الشرطة أن علاجه يستدعي معاينة مستمرة خلال ثلاثة أسابيع، وفي الخامس من حزيران تم نقله إلى قسم العظام وهناك عانى من التهاب رئوي.

لسببٍ في نفس يعقوب، قرر الأطباء تسريح المجهول يوم 12 حزيران، مشيرين في تقرير تسريحه أنه بحاجة إلى تأهيل طبي لاحق، مع أن شهادة طبية أخرى صادرة عن المستشفى نفسه ةفي نفس اليوم، أشارت إلى أن وضعه غير مستقر ولا يدرك ما يدور حوله. تم تسليم المجهول لاثنين من أفراد الشرطة وهو حافٍ ويرتدي منامة رقيقة وجهازاً ينظم إخراج البول من جسده المتهتك. لاحقاً يبدأ مشوار موت المجهول، حيث تحتار الشرطة في خفايا نفوس أفرادها وقياداتها كيف يمكن التخلص من هذا المجهول. طبيب الشرطة لم يكلف نفسه عناء الحضور إلى محطة الشرطة للإطلاع على وضع المجهول عن قرب واكتفى بإسداء مشورة هاتفية بعد أن قرأ شرطي على مسامعه مضمون التقرير الطبي آمراً بنقله إلى سلطة السجون، التي رفضت بدورها قبوله. ومن ثم نُقِل المجهول إلى شرطة "كفار سابا" بهدف التعرف على هويته وعندما باءت هذه التجربة بالفشل أيضاً، قررت الشرطة نقله إلى الضفة الغربية، في معبر "مكابيم" رفض قائد المعبر استلام المجهول وهكذا فعل أيضاً قائد معبر "قلنديا". ما العمل إذن؟ تشاور رجال الشرطة مع قائدهم وقرروا إنزاله إلى الهامش المحاذي لشارع رقم 45 الموصل بين معسكر "عوفر" ومعبر "قلنديا" في الساعة 2:30 صباحاً، وذلك وفق شهادة الجندي المسؤل " املا ان يتسنى له فرصة تلقي المساعدة من السائقين الفلسطسنين المارين على الشارع" ، مع العلم ان هذا الشارع يقع ضمن الشوارع المحظورة على الفلسطينيين استعمالها!!. .. في صبيحة يوم الأحد 15 حزيران وجدت جثة المجهول بعد أن انتقلت روحها إلى باريها...

نعم، هذا يحدث في إسرائيل "واحة الديمقراطية".

ألف سؤال وسؤال يتدارك إلى ذهن الإنسان: ماذا مع قسم الأطباء وشرفهم المهني الذي وضعه "هيبوقراط" قبل الميلاد والذي يلزمهم تقديم العلاج الطبي الملائم لكل مريض بمعزلٍ عن هويته ومسببات إصابته وقدرته على تسديد فاتورة العلاج. كيف تجرأ ذلك الطبيب "الرحيم" ووقع على تقريرٍ بتسريح المجهول مع علمه المسبق أنه يسرحه إلى الموت المحتوم... كيف ينظر ذاك الطبيب إلى المرآة وإلى أفراد عائلته بعد ذلك اليوم... ما طبيعة الحديثِ الذي دار بين أفراد الشرطة بعد إنزالهم المجهول إلى هامش الشارع وهل عادا للحديث عن "الكلاسيكو" وفريق "بيتار يروشلايم" ... ماذا دار بين أفراد الشرطة المتورطين – قيادات وأفراد- وهل تشاوروا حول تلفيق الأمر وطيه في أرشيفات الذاكرة المنسية...

 

نعم، نحن الفلسطينيين ندرك طبيعة الاحتلال ودولته العنصرية، وما هذه السربية إلا فصل من فصول الأبارتهايد ومحاولة بناء حضارةِ على الكراهية والإذلال وجبروت القوة. الفارق الوحيد الذي يميز هذه الحادثة -عن آلافٍ أخرى تقترف يومياً- أنها حظيت بجزءٍ من تسليط النور عليها، جراء نزاعٍ نشب بين مجموعة الحرامية الذين اختلفوا بينهم على تقسيم الغنيمة بعد دفن الضحية.