قانون منع المقاطعة والرد الجماهري المطلوب

قانون منع المقاطعة والرد الجماهري المطلوب

تستمر إسرائيل في وضع سلسلة قوانين تهدف لإعادة رسم حدود الحريات السياسية المتاحة أمام أي قوة تعارض سياساتها وتوجهاتها الرسمية، خاصة بما يتعلق بمفهوم يهودية الدولة وتحديد حيز الحريات الدمقراطية فيها بالمفهوم المدني، وتبعاته السياسية والقانونية والإجتماعية، علاوة على نظامها الإقتصادي والإجتماعي.

 

وضمن هذه السلسلة أقرت الكنيست بالأمس قانوناً يحظر الدعوة لمقاطعة اسرائيل، بما في ذلك الدعوة لمقاطعة المستوطنات ثقافيا او اقتصاديا ومقاطعة منتجاتها. ويفتح القانون الجديد الباب لاتخاذ إجراءات مدنية ومالية كالمطالبة بالتعويض من الجهات الداعية، دون الحجة لإثبات الضرر الحاصل من هذه الدعوة!!

 

يشكل هذا القانون من حيث الجوهر رسماً جديداً لحدود حرية التعبير بما يتماشى مع رغبة الغالبية اليهودية (والصهيونية بالطبع)، وهو بالتالي تراجعاً إضافياً لحرية التعبير التي تشكل عصب الحريات الديمقراطية ونخاعها الشوكي!!. والخطر في هذه الممارسة لا يقع جراء هذا التحديد والمنع فحسب، بل كونه يشكل مقدمة أو نموذجاً قد يحتدى به في المستقبل لتجريم مواقف سياسية لا يرضى عنها الإجماع الصهيوني، أو الغالبية اليهودية في البرلمان الإسرائيلي!!. ويجوز وفق هذا التوجه والمنطق مثلاً أن تقوم الغالبية بمنع أي تصريح أو دعوة لإنهاء الإحتلال مستقبلاً!!, او حتى تجريم اي مواقف تناقض البرامج السياسية للأحزاب الحاكمة!!. إذاً من الناحية النظرية الصرف فإن هذا القانون هو استمرار لعملية الحفر تحت "الأسس الديمقراطية" المهتزّة أصلاً في الحيز الإسرائيلي العام.

 

من الجهة الأخرى فإن المستوطنات تشكل وفق القانون الدولي جريمة حرب ومخالفة لاتفاقيات جنيف، التي تمنع المحتل من نقل السكان الى منطقة الاحتلال تغيير الديموغرافيا السكانية للمنطقة المحتلة، وهو عمليا جوهر مشروع الاستيطان الاسرائيلي. أي أن القانون الذي أقر بالأمس جاء لإضفاء الحماية على هذه الجريمة والمخالفة البشعة للقانون الدولي، ولتوفير غطاء قانوني يمنع إنتقاد هذه الجريمة أو الدعوة لمقاطعتها... هو حماية للجريمة بقدر ما هو جريمة بحد ذاتها بحق أصحاب الأرض الذين يُجَرّم القانون حقهم بمقاطعة المستوطنات التي اقيمت على اراضيهم.!!

 

من الجانب الفلسطيني العام فإن إسرائيل ستقوم حتماً بإستعمال هذا القانون في مقارعاتها السياسية، كأن تقول أن دعوة الحكومة الفلسطينية لمقاطعة منتجات المستوطنات – التي اصبحت جريمة وفق هذا القانون - سبباً لمعاقبتها من خلال تشريع سرقة الضرائب التي تُجبى في إسرائيل، وأن تمتنع عن تمريرها للسلطة، كما حدث بالماضي عدة مرات، ولكن هذه المرة ستكون إسرائيل مسلحة بقانون يشرع خطوتها.

 

بالنسبة لنا نحن الفلسطينيون في إسرائيل، فإن مقاومة هذا القانون- المخالف لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، يجب أن تأخذ عدة أبعاد ووسائل بحسبانها:

اولاً: البعد القضائي- واعتقد أنه البعد الأسهل الذي يعني التوجه للمحكمة العليا الإسرائيلية، بهدف إلغاء القانون بإعتباره "ليس دستورياً"، ولا يتماشى مع القوانين الأساسية، خاصة بما يتعلق بالحريات المدنية وحرية التعبير!!. أي أن هذا التوجه سيركز على الجوانب المتعلقة "بديمقراطية إسرائيل" كما يجب أن تكون!، وأعتقد أنه أسهل الإحتمالات وأقلها جدوى على مستوى التأثير السياسي طويل المدى المرغوب، بالرغم من سهولة تنفيذه وسرعة نتائجه كونه يقتصر على وسيلة قضائية لا تستلزم التجنيد للجمهور الواسع صاحب الشأن الأول بهذه القضية.

 

ثانيا: العمل الدولي.. هذا القانون يضع تحديات واضحة وصريحة أمام دول مثل دول الإتحاد الأوروبي، التي تقاطع منتجات المستوطنات وتقوم بمنع إستيرادها لأسواقها منذ عدة أعوام... اذاً فإنه بموجب هذا القانون أصبح بإمكان المستوطنين التوجه للقضاء ضد أي مؤسسة حقوقية تقدم المعلومات لدول الإتحاد الأوروبي!!، بغض النظر عن تأثير تلك المعلومات على المقاطعة الفعلية لدول الإتحاد لمنتجات المستوطنات!! او الضرر الناتج عنها.

 

والمطلوب منا هو استغلال هذه القضية وأستثارة الرأي العام الدولي والأوروبي خاصة، الذي أظهر علامات مشجعة لدعم فكرة  BDS - المقاطعة سحب الأستثمارات والعقوبات - من أجل دفع الحكومات للتحرك من أجل حماية مؤسسات حقوق الإنسان المحلية، وحمايتها أمام هذا الإجراء والقانون. كما يتوجب على منظمات المجتمع المدني إستعمال النقاش المثار حول هذا القانون كمحفز لترسيخ الدعوة للمقاطعة وإعطائها زخماً دولياً شعبياً ورسمياً يفضح زيف الادعاءات بدمقراطية اسرائيل.

 

ثالثا وهو العامل الاهم – النضال الجماهيري: يجب أن يتم التعامل مع إقرار هذا القانون على المستوى الشعبي المحلي - الفلسطيني في البلاد، بطريقة مغايرة عن طريقة التعامل مع القوانين العنصرية والمخالفة لحقوق الإنسان التي أقرت حتى الآن، وأن يتم إستعماله كمحفز لتوجيه الطاقات الجماهيرية السلمية بطريقة إيجابية وخلاّقة، وعليه يجب مثلاً الدعوة لتبني موقف موحد تجمع عليه لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية والاحزاب العربية، والمؤسسات الأهلية والجماهيرية والأجتماعية، إضافة لمنظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية بشكل خاص، لإصدار موقف موحد يوجه للمجتمع الدولي ويطالبه بمقاطعة المستوطنات ويدعم موقف المقاطعة بشكل صريح وعلني لا يقبل التأويل، على أن يوقع عليه عشرات الآلاف من الشخصيات الأكاديمية والاعتبارية والتمثيلية، والهيئات المجتمعية بكل أطيافها وتضع التحدي أمام إسرائيل، حكومة وقضاء بشكل سلمي واعٍ ديمقراطي وجماعي وتوصل رسالة واضحة مفادها: أن هذا القانون قد وُجد لكي يتم مخالفته... وأننا كجمهور معني لن نقبل اللعب وفق قوانين اللعبة السياسية كما تضعها الغالبية الاسرائلية الممثلة في الكنيست الإسرائيلي، وأن هناك قضايا وقيم أساسية هي أكبر وأهم مما تقرره هذه الغالبية خدمة لمصالحها وأجندتها السياسية العنصرية، كما أن هذا الموقف والتحدي يشكل رافعة لإعادة فكرة التجنيد الشعبي للنضالات السياسية والتحديات التي تواجه مجتمعنا بأستمرار.

 

والموقف الجماعي الموحد من شأنه أن يشكل تحدياً واضحاً لتبعات هذا القانون الجائر وعقبة أمام إمكانية تفعيل العقوبات ضد مخالفته، حيث لن تتمكن الدولة من تقديم شكاوى ضد عشرات الآلاف من المدنيين بسبب توقيعهم على بيان وموقف.. وإن فعلت، فإن باب النضال الجماهيري يكون قد اتسعت أبوابه... ولكل حادثة حديث.