جرف 500 دونم من الأراضي المزروعة بالقمح والشعير في النقب إخلاء قسري ومحاولة للإستيلاء على أراضي المواطنين العرب في النقب

جرف 500 دونم من الأراضي المزروعة بالقمح والشعير في النقب  إخلاء قسري ومحاول...


في يوم الأربعاء الموافق 21/2/2007، أقدمت دائرة أراضي إسرائيل على تجريف مساحة ما يقارب 500 دونم  من الأرض المزروعة بالقمح والشعير في قرية المزرعة الغير معترف بها جنوب شرق بلدة عرعرة في النقب، والتي تعود للمواطن خليل الزرقان. ففي الصباح الباكر استيقظ سكان القرية، بدون إنذار مسبق، على وقع البلدوزورات الثقيلة، التي رافقتها موظفوا وزارة الداخلية وقوات كبيرة من الشرطة وحرس الحدود، وقامت بحرث الأرض، التي تشكل له مصدرا أساسياً ووحيداً للرزق. وقد حاول خليل شرح ذلك والظروف التي يعيشها – حيث أنه يعيش في براكية بدون ماء ولذلك يضطر للسفر كل يوم لجلب الماء لعائلته ولمواشيه، كما أنه يعتاش هو وعائلته ومواشيه من الأرض وزراعتها –  إلا أنه لا حياة لمن تنادي.
وتدعي دائرة أراضي إسرائيل أن الأرض التي تم جرفها هي بملكيتها وأن المواطنين العرب استولوا عليها بشكل غير قانوني، ولذلك وجب طردهم منها. وقد حاول سكان القرية اقناع موظفوا وزارة الداخلية أن الأرض تعود لسكان القرية وأنهم يسكنون عليها قبل قيام الدولة، إلا أن الموظفون لم يقتنعوا بذلك وجرفوا الأرض.
وتشكل قصة المواطن خليل مثالاً حياً لتعامل السلطات الرسمية مع المواطنين العرب في النقب. فخلال حرب 1948 وحتى عام 1953، قامت السلطات الإسرائيلية بطرد ثلاثة أرباع المواطنين العرب في النقب، خاصة من النقب الغربي، من أراضيهم. طرد بعضهم خارج حدود الدولة، وتم تجميع البعض الآخر في المنطقة الواقعة شرقي مدينة بئر السبع، المسماة اليوم منطقة "السياج". وحتى العام 1966 عاش المواطنون العرب تحت الحكم العسكري. وقد تم منعهم من مغادرة منطقة "السياج". كما تم الاعلان عن غالبية الأراضي التي كانت بحوزتهم والواقعة خارج منطقة "السياج" مناطق عسكرية مغلقة، مما منعهم من العودة اليها، حتى بعد انتهاء فترة الحكم العسكري.
استغلت الحكومة الإسرائيلية هذه الوضعية، وقامت بمصادرة غالبية الأراضي الواقعة خارج منطقة "السياج" بطرق عديدة، بهدف اعداد هذه الأراضي للاستيطان اليهودي. وفي عام 1969 تم سن قانون الأراضي، الذي عَرَّفَ طريقة استملاك الحقوق على الأراضي وحجم هذه الحقوق. وقد استغلت الدولة هذا القانون من أجل عدم الإعتراف بحقوق المواطنين العرب في أراضيهم حتى داخل منطقة "السياج"؛ إذ يحدد القانون بشكل واضح، ان الأراضي التي تعرف كأراضي "الموات" عشية سريان القانون – وهكذا عُرفت غالبية أراضي المواطنين العرب في النقب – تسجل كأراض تابعة للدولة. إضافة لذلك، وجد المواطنون العرب في النقب صعوبة في اثبات ملكيتهم على الأراضي التي كانت في حوزتهم بالإستناد على هذا القانون، ذلك لسببين رئيسين: أولا، اعتاد غالبية المواطنون العرب في النقب نقل الملكية على الأراضي شفاهة، ودون استعمال الوثائق، وهو ما لا يعترف به القانون؛ ثانيا، لم يقم العثمانيون والبريطانيون بتسوية الملكية على أراضي النقب، لهذا لم تسجل حقوق المواطنون العرب في النقب في سجل العقارات.
وقد حاول المواطنون العرب في النقب، منذ قيام الدولة، المطالبة بتسجيل الأراضي التي كانت في حوزتهمم، بعدة طرق، إلا أن الدولة لم تعتربف بمطالبهم. وبعد عام 1966 بدأت عملية لتسوية الأراضي في النقب. في أعقاب ذلك، خلال سنوات السبعينيات، رفع المواطنون العرب في النقب لمأمور التسويات دعاوى بهدف تسجيل حقوقهم على الأراضي التي كانت بحوزتهم وكانوا يفلحونها. لكن، منذ تقديم الدعاوى من المواطنون العرب في النقب، تم تجميد عملية التسوية من قبل الدولة عمداً، ولم يبحث مأمور التسوية في دعاويهم. ولا يزال التجميد قائما حتى هذا اليوم، مما يعني عدم حسم قضية ملكية الأراضي المتنازع عليها حتى الآن.
في الأعوام 1975-1976 أقترحت الحكومة الإسرائيلية على المواطنون العرب في النقب صفقة لتسوية القضية وإنهاء النزاع بينهما حول تلك الأراضي. وتقترح تلك التسوية إبقاء 20% من مجمل الأراضي التي يستطيع المواطنون العرب في النقب إثبات ملكيتهم عليها في أيديهم، إضافة الى حصولهم على تعويضات بحجم 65% من ثمن مجمل 30% من باقي الأراضي، بينما يتم مصادرة ال 50% المتبقية من الأراضي لصالح الدولة دون تعويض. رفض المواطنون العرب في النقب هذه الصفقة، وهم يواصلون منذ تلك الفترة النضال من أجل الحصول على إعتراف بملكيتهم على الأراضي التي في حوزتهم، بما في ذلك عن طريق المحاكم، لكن دون نجاح. وفي المقابل، ومنذ اقتراح صفقة التسوية، تقوم سياسات جميع الحكومات الإسرائيلية على نقل جميع أراضي المواطنون العرب في النقب الى ملكية الدولة بشكل فعلي. وتتجسد تلك السياسات في الخطة التي بدأت نهاية الستينيات وبداية السبعينيات لـ"توطين البدو"، أي: نقل المواطنون العرب في النقب من مكان سكناهم على الأراضي التي بحوزتهم، وتجميعهم في مناطق قرى تجميع أقامتها الدولة لهم، بهدف تطبيق السياية الداعية لقطعهم عن أراضيهم وطريقة حياتهم الخاصة. وتقوم الدولة بتطبيق هذه السياسات بادعاءات أن المواطنين العرب في النقب استولوا على هذه الأراضي – أراضي دولة بنظرهم – بشكل غير قانوني ولذلك وجب طردهم منها.
ومن أجل إجبار المواطنين العرب في النقب ترك مكان سكناهم على الأراضي التي بحوزتهم والنقل للسكن في التجمعات التي أقامتها لهم، تستعمل الدولة عدة طرق، التي تشكل إنتهاكاً فظاً لحقوق الإنسان، حيث أنها تتم بطرق شرسة وعنيفة. أحدى هذه الطرق هي عمليات هدم بيوت مكثفة بحجة عدم الترخيص القانوني لها. فلا يمر اسبوع تقريباً بدون عملية هدم بيوت في القرى الغير معترف بها، ونلاحظ ازدياد عمليات الهدم في الآونة الأخيرة.  طريقة أخرى هي إبادة المحاصيل الزراعية التي تشكل مصدراً أساسياً ووحيداً للرزق، إما بواسطة تجريفها وحرثها وإما بواسطة رشها بالمواد الكيماوية المسمة من الجو.
وفي هذا السياق وجب الذكر، أنه في شهر شباط 2007 تم النشر في الصحف على وزير الإسكان، مئير شطريت، يعمل على بلورة خطة للإستيلاء على ما تبقى من أراض عربية في النقب من أصحابها العرب، تطلق عليها "خطة لحل المشاكل العالقة على الأرض بين الدولة والبدو". وتعمل الخطة بطريقتين: تشجع المواطنين العرب للتنازل عن أرضهم والإنتقال إلى السكن في التجمعات السكانية الخاصة بهم، عن طريق زيادة حجم التعويضات التي تدفع لهم؛ ومن لا يوافق على التنازل عن أرضه والإنتقال إلى هناك سيتم اقتلاعه بالقوة. وقد نشر أيضاً أن الوزير شطريت رفض توصية قدمها مركز سي.بي.أيي من  جامعة M.I.T في الولايات المتحدة – والتي طلبتها السلطات الإسرائيلية بنفسها بالعمل عليها – التي تدعو إلى حل مشكلة النزاع بين الدولة والمواطنين العرب في النقب بواسطة الحوار والتراضي. 
إذاً، فعملية جرف الأرض التابعة للسيد خليل الزرقان تقع في إطار هذه السياسات الداعية لطرد المواطنين العرب في النقب من أراضيهم التاريخية للإستيلاء عليها، ولا علاقة لها بالمرة بادعاءات الدولة بأنه قام بالإستيلاء عليها بشكل غير قانوني، بل العكس هو الصحيح: الدولة هي التي تحاول الإستيلاء على هذه الأراضي بشكل يناقض معايير حقوق الإنسان الدولية.
أن عمليات هدم البيوت وتجريف الأراضي المركزة تشكل خرقاً فظاً لحقوق الإنسان، وبالتالي ممنوع منعاً باتاً، حتى وأن سمحت به القوانين المحلية. وعليه، تطالب المؤسسة العربية لحقوق الإنسان كافة المؤسسات الرسمية لدولة إسرائيل الكف عن إنتهاك القانون الدولي، والإمتناع عن تطبيق هذه الطرق بل وتطالبها بالإعتراف بالقرى العربية غير المعترف بها كجزء من واجبها بحق مواطنيها بتوفير ظروف معيشية لائقة. كما تتوجه المؤسسة العربية لحقوق الإنسان الى الأسرة الدولية بالتحرك العاجل للعمل لتنفيذ التزاماتها، بكافة الوسائل الممكنة والمطلوبة، من أجل وقف مسلسل محاولة طرد المواطنين العرب قي النقب من أماكن سكناهم وتخويفهن وإرعابهم الذي بات، وللأسف، مسلسل أسبوعي متكرر وجزء من السياسة الرسمية للدولة، التي تهدف إلى ترحيل المواطنين العرب من قراهم التاريخية دون وازع أو رادع. وتدعو دول الإتحاد الأوروبي مجتمعة ومنفردة لرفع صوتها وإسماع صوتها باعتبار عمليات الإخلاء القسري منافية لكافة الإتفاقيات الدولية الموقعة بينها وبين الحكومة الإسرائيلية، وخاصة اتفاقيات الشراكة واتفاقيات الجيرة التي يعاد هذه الأيام مراجعتها بين الطرفين.